الشيخ محمد زاهد الكوثري

168

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

فصل [ في بيان أن الفعل يضاف إلى الآمر به وإن لم يفعله ] ومما يقوي جميع ذلك من السنة : أن الفعل يضاف إلى الآمر به ، وإن كان لم يفعله بنفسه ، وإنما أمر بفعله ؛ ما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رجم ماعزا ؛ والنبي صلى اللّه عليه وسلم لم يباشر الرجم بنفسه ، لكن لما أمر الصحابة جاز أن يضاف إليه . وأيضا ما روي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قطع يد سارق ثوب صفوان ومعلوم أنه صلى اللّه عليه وسلم ما باشر القطع ، لكن أمر به ، فأضيف الفعل إليه لما صدر عن أمره . وكذلك روي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه جلد شارب الخمر أربعين ، ولم يباشر الجلد بنفسه ، لكن لما كان عن أمره جاز إضافة الفعل إليه . والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا . وأيضا يقال : جبى عمر رضي اللّه عنه خراج العراق ، ولم يباشر الجباية بنفسه ، لكن لما جبى بأمره جاز إضافة الفعل إليه . وكذلك يقال : افتتح عمر رضي اللّه عنه الشام والأمصار ، وهو لم يباشر ذلك بنفسه ، لكن الصحابة والجند بأمره ، فصحّ بهذه الجملة أن التلاوة فعل التالي ، لكن هي بأمر اللّه تعالى وإيجاده ، فصحّ أن يضاف إليه القراءة والتلاوة على هذا الوجه ، فأما المتلو والمقروء فليس بفعل لأحد بل هو كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته الذي ليس بمخلوق ولا يتصف بشيء من صفات الخلق . * * * فصل [ في بيان أن اللّه تعالى قد فصل بين القراءة والمقروء ] ثم نقول لهؤلاء الجهلة الضّلال : كيف يجوز لكم أن تقولوا إن القراءة هي المقروء ، والتلاوة هي المتلو ، واللّه تعالى قد فصل بينهما ، وجعل القراءة فعل القارئ ، والمقروء هو القرآن الذي هو كلام الباري ، في غير موضع من كتابه . أحدها : قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [ النّحل : 98 ] فأفرد القراءة عن القرآن ، وأن القراءة فعل الرسول ، والمقروء ليس بفعل لأحد ، بل هو كلام اللّه القديم ، وهذا كقوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ [ آل عمران : 41 ] فأفرد الذكر عن المذكور ، فالذكر فعل الذاكر ، والمذكور هو اللّه تعالى القديم الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشّورى : 11 ] وأيضا قوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزّمّل : 20 ] وقوله تعالى : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ [ العنكبوت : 45 ] وقوله تعالى : وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ [ النّمل : 92 ] وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ [ فاطر : 29 ] وفي القرآن أكثر من ألف موضع يدل على الفرق بين التلاوة والمتلو ، والقراءة والمقروء ، لمن له حس سالم ، وعقل ثابت . ومن القدر الذي قدمناه دليلان :